Sunday, 20 May 2012

"تودد" أو الثورة التي لا تؤنث لا يعوَّل عليها: الضوؤ و المكان أو اللغة و المعنى




"تدور ريتا حول ريتا وحدها:
لا أرض للجسدين في جسد، ولامنفى لمنفى إلا الوطن
في هذه الغرف الصغيرة ، و الخروج هو الدخول
عبثاً نغني بين هاويتين،
فلنرحل...
ليتضح السبيل
لا أستطيع، ولا أنا،
كانت تقول ولا تقول"
-
محمود درويش – أحد عشر كوكباً


لعل شهرزاد في سردها الليلي الألف ويزيد بليلة، تؤرخ ماللحكي الأنثوي من فضاء في الثقافة العربية –سابقاً و لاحقاً- ، هو فضاء يتحدد بعنصرين:
- الضوء.
- المكان.
فشهرزاد لم يصلنا منها الحكي نهاراً، بل أن صياح الديك بما يحمل من دلالات الفجر، هو مبتدأ سكوتها وتحول حكيها "المباح" إلى "حرام" يستوجب الصمت، فالنهار هو ملك الذكر، لاتنكشف فيه الأنثى ، ولا تخرج إليه ، إلا رمزاً لا إنساناً في نسق ذكوري اللغة.  فزمنها محصور بالتمام و الكمال في الليل و العتمة ، ومنه كانت شهرزاد – و إن رآها البعض انتصاراً أنثوياً- استمراراً ثقافوياً للذكورية و الفحولة بانتصار أنثوي مرمز و مؤقت لايستوي لذاته بل لسياقه.

ولعل الخنساء ، تمثل إنتصاراً ثقافوياً آخر للذكورة ، ولكن بأدوات أنثوية –أيضاً- ، فالخنساء التي خرجت بأبيات شعرها للنهار و الشعر في اصله ثورة ورفض وتمرد، هاهي الثقافة تذكر فعلها الشعري النهاري فقط ، في ظل الرثاء لفقدان الذكر/الرجل/ الإبن-الأبناء/المقاتل/ المحارب. ليصبح شعر الخنساء حكياً أنثوياً في ظل الرجل وإن خرج للضياء، ولكنه لم يخرج من حدود ظل الذكورة، ولن تزودنا الثقافة عن شعرها –الخنساء- الانثى/المرأة في غير موضع الرجل/الذكر ذاك شيئاً، فأبقت أنوثتها حبيسة فقدها الذكوري في الذاكرة الجمعية العربية وادراكنا اللغوي الشعري.

ولعلنا لسنا بحاجة للـتأكيد على أن المرأة كائن إندماجي ، أي أنها ليست كائنا ثقافياً مستقلا، بقدر ما هي كائن "إرتباطي"، إنها وسط الآخرين و فيهم ومنهم و بينهم وبهم عضوياً، أي أنها بنت فلان وزوج فلان و أم فلان و أخت فلان، وهي جزء عضوي و مؤسس في بنية العائلة، وفي عمقها، لذا كانت لغتها الوحيدة هي الحكي و أداتها اللغوية هي اللسان. و الحكي –حكيها- لا يكون إلا للزوج أو الولد أو البنت محاطاً بالسور العضوي للفضاء العائلي/الدم: أسرة /أهل/ بيت ، ومن هنا كانت فكرة المحدد الثاني لفضاء الحكي الأنثوي: المكان.

إن خروج الانثى من ليل/عتمة "الحكي" إلى نهار/ضوء "الوجود"، سواءا بالكتابة أو الثورة أو الرفض أو غيره من الأفعال الوجودية ، هو إنتقال ثوري في ذاته يرفض حوصلة الذكر لها وإن بدت مريحة للأنثى وقدستها السماء وتأويلاتها، ويستبدلها بقلق وجودي ما، إذ يتركز وعيها الوجودي بذاتها، وكلما كان وعي الإنسان بذاته وجودا زاد قلقه، وزادت مقاومته للقوى التي تحاول نفيه أو استلابه. ولعل الصراع مع قوى النفي الذكورية للمرأة في فضاءنا العربي سواءاً من المكان المحكي أو المكتوب أو الثقافي أو الديني أو الإجتماعي أو السياسي ، يعيد التأكيد في عموم الحالات وخواصها ، أن القلق الوجودي دوما هو قلق مرتبط بـ"مسألة الحرية" كما يقر بذلك جلبير دوران وغيره.
وتلك المسألة إنسانياً بشكل عام و أنثوياً بشكل خاص ، لابد لها أن تخلق "حالة من الحوار" الذاتي أولاً ، و الآخروي ثانياً ، و المكاني/الحيزي ثالثاً، فيتلازم "القلم" (كأداة) و"الألم" كنتيجة ، لا صوتياً أو مورفولوجياً فقط ، بل دلالياً وارتباطياً كذلك، ولن تكون العملية التعبيرية عن الذات الأنثوية (تجلياً لذات تفكر وتعرض و تقول ما تفكر فيه وماتعرفه فقط، بل ستغدو مظهراً لتبعثر الذات وانفصالها عن نفسها، إنها مكان كل خارج ، لا باطن له، تنبسط عليه مجموعة من المواقع المتمايزة للذات) ، بحسب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.
ولعل هذا مايفسر الربط العضوي بين الإبداع و الإكتئاب، ليقفز في ذهننا مجموعة من الأمثلة الذكورية الثقافوية أولاً أمثال نيتشه وفيرلين وفان غوخ، و إنكسارات أبو حيان التوحيدي وابن حزم وعبدالرحمن شكري وغيرهم من المبدعين الذين إنتهى الأمر بهم إلى نتيجة تجعل الإبداع ذات علاقة شبه عضوية بالإكتئاب، ثم تحضر الأنثى في ظل الذكر الثقافي ، لنتذكر إن تذكرنا بعد غنائم ذاكرتنا الذكورية سليفيا بلاث و ليلى صبار و فيرجينيا وولف وغيرهن.

إلا أن خروج الأنثى من ظلمة الحكي لضياء الوجود الذاتي، لا يتحقق وحيداً،  فتبرز الهيستيريا الذكورية اتجاهها بوصفها (جسداً) يوجد/يعبر/يتحدد/يحاور لكي يخترق قواعد الرمز الذكوري ، ويتحداها، ويخلخل أنظمة المعنى ثقافياً وآليات إنتاجه، وهو ما يفسر مقولة مي زيادة إذ تقول: (إن تاريخ المرأة استشهاد طويل). وتعيد بقولها (ليس من ألم يضاهي ألم المرأة) لويز ميشال التأكيد على ذلك، ونشير إلى علاقة العقاد بصالون مي زيادة كمثال من بحر.
وقد عرف تاريخ الفن سوابق لطرح الوجود الجسدي للأنثى في فضاء المكان، وجسدها كجسد مستعمر ومحتل في الفنون البصرية في سبعينيات القرن المنصرم خصوصاً في أعمال فريدا كالو. حيث يتحول ظهور المرأة (خروجها من ظلمة الحكي المجرد إلى ضوء التعبير الوجودي) وتمثيلاته إلى نتيجة ثابتة وطرفية في السياق الثقافي الذكوري، فمثلاً يلاحظ مؤرخو الفن من الحركة النسوية أن مصطلح "فن النساء" يمكن أن ينطبق على التقاليد الفنية المرتبطة بالسياق العائلي من الإنتاج، وهو سياق –كما ذكرنا- يمثل إمتداداً لحرمة التمثيل الثقافي المستقل خارج حدود الحكي الليلي و ألفة البيت وسوره، فالنهار استحضار الضوء، و الضوء أساس علوم المكاشفة، مثال ذلك "شغل اللحف" و "الطبخ" –الذي اقتحمته الثقافة الذكورية بمنطق حداثي-. وهنا وعلى الرغم من أن الأجساد الأنثوية تُستغل في انتاج مثل هذه الفنون ، إلا أن تمثيل الجسد الأنثوي كأولى مشاهد الحضور (نهاراً/مكاشفة/لوناً/ تحرراً)أو الاعتراف به ليس عنصراً محوريا في المنتج النهائي وادراكنا له بل يمكن إنفصاله عنه، فمصطلح (فن النساء) يشير إلى فن ينطلق من الفروقات الأنطولوجية في معرفة المرأة بمنطق أعلى و أدنى، وهي المعرفة الواقعة بين مطرقة اللغة وسندان الثقافة ، البالغا الذكورة، و إن إتشحا بضمير أنثوي من باب التحايل.
وهو نوع لا يختلف كثيرا إلا في النعومة عن وسائل نفي الإنثى وتحجيم وجودها ، وحصر دلالتها في الأداة/المادة المقيدة و ليس الرمز/القيمة الحرة، فنلاحظ مثلاً أن بعض الفنانات استخدمنّ (ترميزاً أنثويا أيقونياً للجسد) في أعمالهن بطريقة تشير إلى "حزام العفة" الذي كان سائداً في الثقافة الغربية، في نوع من المعادلة، لما زعمته الحركة النسوية الأنجلو أمريكية مثلاً ، من أن الصور الوحيدة المتاحة لأعضائهن التناسلية لاتوجد إلا في سياق طبي وعلمي، وهو سياق بالغ الذكورة.
فكان خروج المرأة من حتمية عتمة الحكي والكيانية الإرتباطية إلى ضوء النهار الثقافي والإستقلال، هو نوع من أنواع الصدمة و المواجهة للبنية الثقافية الذكورية المسيطرة، فكانت الحاجة لتحويل الحيز التعبيري للوجود الأنثوي في الضوء من "موضوع" إلى "ذات" لها صفاتها المميزة و الحاكمة ، و التي تتحدد بيد الذكورة لاغيرها، فخرجت علينا "الحداثة" بمقاييس للجمال ، لتحوله من نسبيته الحرة إلى وصفيته المقيدة بالبنية الثقافية المتغيرة ، لنرى مثلاً مسابقات الجمال التي تحولت إلى معيارية شكلية ووصفية وتنميطية (تخضع كذلك لبنية الانتاج وعلاقات رأس المال)، ولابد للذكورة أن تُنعم بها على الأنوثة، فيصبح المعيار و المقياس و منطق القيمة مذكراً بإمتياز، "بتصوير جسد الأنثى العاري بأبعاد مثالية" و "تقديم المرأة على أنها الآخر الغريب" ، و "كمجال هامشي غير معروف" تحتاج الذكورة الثقافية على الدوام لتحديد مقاييسه ومحدداته ومعاييره، لا لذاتها ولا لجوهرانيتها، ولكن للمتفق عليه من الثقافة الذكورية لغة ووصفاً، أي تملكاً بصرياً/وصفياً/ذاتياً/لغوياً لكيان موضوعي، وفي النهاية فتلك البنية الثقافية التي تدعي الأنثوية هي بنية بالغة الذكورة.
                 
ولذلك دلالته المركبة، فمن ناحية يتمتع الفن البصري بمكانة كبيرة في المجتمعات الغربية المعاصرة بوصفه شاهداً يعبر عن الواقع الإجتماعي، بما فيه من ميل لتأسيس مانعرفه عن ذلك المجتمع على مايمكن مشاهدته، وليس على علاقات وعمليات وسياق المشاهدة، وهو ما لايختلف عن منطق قطع الرؤوس و الأيدي في تماثيل الإناث في الثقافة الغربية، بما له من دلالة غياب الفعل/الأيدي وغياب الفكر/ الرأس (والعقل)، وتحول الكيان الأنثوي إلى حيز تطبيق للمقاييس الوصفية الذكورية أداتياً (جنساوياً)، ولعل الأكثر شرحاً لذلك التمثيل الثقافي للأنثى كان "بغماليون" الذي أعطى للتمثال المؤنث منتهى الجمال من حيث مقاييسه المادية/الوصفية (الجسدية)، لتتدخل الثقافة فيما بعد فتّمن على ذلك القبرصي ، فتحيي له قطعته الفنية بعد طول دعاء وتمني، وهاهو "الحكيم" بعد أن ضاق بغماليون بأنثاه الضاجة بحريتها، يتضرع لتعود ذاتاً في تمثال، فيعطيه –بحكمة- مايريد من سطوة الذكر على الأنثى.


إن الخطاب الثقافي الذي يتناول المرأة في الفنون التعبيرية ، في بعض المجتمعات و إن كان يتناول المرأة بصورة معينة ، نازعاً عنها قيمتها الموضوعية وواضعاً إياها في السياق المحدد سلفاً بشكل وصفي / شيئي، فهو معبر فعلي عن واقع تناول الأنثى في بعض المجتمعات، إلا أنه ليس كذلك في مجتمعات أخرى، إذ تتحول الصورة التعبيرية عن الأنثى ، لما يمكن تسميته حالة من "الإستلاب المضاعف"، بالسعي للتماهي مع "صورة" المجتمع مقدم الصورة الأصلي ، وهو إستلاب مضاعف من حيث:

1.استلاب للخصوصية الثقافية لصالح منتج وصفي لمجتمع آخر وثقافة أخرى وتمثيل خطابي آخر للمرأة.

2.إستلاب للأنثى التي ترى في الصورة التعبيرية عنها إنفصاما عن الواقع و إختلافاً جذرياً شديداً، و هو إستلاب مبني على أستلاب أساسي في اعتبار الأنثى جسد فقط.
وهو مانراه بجلاء في فنوننا التعبيرية في تناولها للأنثى إعلامياً وثقافياً وخطابياً و مجتمعياً ، بشكل يزخر بالتكوينات و بالدلالات عبر وسائط بالغة السيولة و النعومة وقصر المدة الزمنية لصالح التكثيف الصوري و الرمزي، وتمثيلاتهما الغير محايدة (وهو ما يفسر تكثيف تحول الفنون الأنثوية إلى فنون استعراضية ادائية وليست فنية في ذاتها غذا ماقورنت بالفنون الذكورية).
وهو مالايمكن تجاهله في رد الفعل الذي بزعم الخصوصية الثقافية و الحضارية ، يقمع الأنثى ، وينتقل من تذرير المرأة وتسليعها باسم الحداثة و التحضر، إلى تخصيص المرأة وتشيؤها والتعامل معها كوسيلة لغاية أعلى وأسمى دينياً، وبالتالي حجبها وتنقيبها ونفيها عن الحيز التعبيري وجودياً، وهنا لا يختلف المنطقان من حيث كونهما يقومان على نفي الوجود الأنثوي من الحيز الجوهراني الخاص به، لحيز الأداة/المادة المملوكة ، وهما منطقان يتطبقان فيما يزعمان من التناقض، في لا أخلاقيتهما وقمعيتهما ، إذ تظل العلاقة بينهما علاقة صفرية غير منتجة ، و إن كانا متساويان في المقدار و متعاكسان في الإتجاه ، فهما من "نفس الجنس" القامع النافي الجنسي الجذر.
فالترميز الذكوري للانثى هو بحد ذاته عملية تختزل المرموز إلى محض بعده كموضوع، بينما يحتكر الرامز أو صانع الرمز كل الذاتية لحسابه، فالترميز يفترض أصلاً بالموضوع المرموز أن يكون قابلاً للتشكيل، أي مادة مطاوعة يحدد الآخر مضائرها، فتمتلك اللدائنية لا طاقة الحرية.


"أمررْتُنَّ بالسُحب تُنْحَرُ بمدية الملاح؟
أمرَّتْ بكنَّ الحرابُ مقذوفة بلا تسديد، و الرياحُ مقذوفةً، عشواء،
إلى الآبار الدفينة في الغيم؟
لَمْعٌ على شفاهكنَّ؛ أَحُزنٌ؟
لايُقاومَ حزنٌ؛ لايُقاوم الحزينُ.
ربما معارك نجدةٌ على شفاهكنَّ؛ معاركُ تحدِّثُ الشفاه بها الشفاهَ لَمْساً.
سعيداتٌ كالشبهة أنتنَّ،
الحدقات الثواني في عيون الساعات، و الصوت النبيذُ ،
الذي لا يُهان."
-
سليم بركات – السيل



ثانياً : المكان لغةً ومعنىً:
 

"المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه"
 –
 ابن عربي

يلج الحيوان العالم بدوافع راسخة التوجه وغاية في التخصص، بشكل مقيد، لذا فإنه يوجد في "عالمه" محدود الإمكانيات، أي أن المكان له السيطرة على الكامن فيه بأدواته ومحددات الأخير، من قبل غرائزه و أدواته البيولوجية، فقد برمجت أجساد الحيوانات بحث توجد وتبقى ضمن "مكان"/بيئة بذاتها، في حالة من القطيعة التي تفرضها ثنائية "إما / أو"، حيث لا يمكننا مثلا ان نجد دباً قطبياً تأقلم في الصحراء الأفريقية.
أما عالم الإنسان فمفتوح نسبياً، فالبنية الغرائزية لدى البشر أقل تخصصية من تلك للحيوان، مما يعطي لعالمه –الإنسان- القابلية لتشكيل محتواه ، ومعناه ، خروجاً عن ثنائية الـ"إما/أو" في جانبها المادي الصرف ، إلى مطلق الفكرة الإنسانية: القيمة. فالإنسان يحيا في عالمه، محاطاً بحشد من المعطيات التي تغمر ادواته الحسية في شقها المادي و المعنوي/القيمي، فيتعين عليه أن يسبغ على عالمه معنى وشكلاً، ليستطيع البقاء فيه و التعايش معه.

ومن هنا يصبح المكان – أي مكان- "مكاناً تعبيرياً" للوجود الإنساني فرداً وجمعاً، وتلك خاصية بدأت مع بدء الخليقة و الإنسان البدائي ولعل أبرز أمثلتها ماعرف بـ"رسوم الكهوف" وإن لم تكن الأقدم.

 إي أن الحيز التعبيري للإنسان ليس إلا ممارسة جمالية ، هو المجال الذي يصبح فيه إنتاج الدلالات الحسية والرموز هدفاً في ذاته ولذاته،  وهو بذلك يشكل "المعنى" باعتباره الغاية الأسمى و الأهم للحضارات ، فإذا انفصلت عاطفة الحب عند الإنسان عن رموزه وصوره وتخيلاته التي تعطيه المعنى و القيمة و أساطيره المحبوكة حوله افتقر مفهومه، حتى أصبح مجرد رد فعل "مادي" حيواني على مؤثر خارجي، ويصبح المكان حينها مجرد حيز "بيولوجي".

فالمكان الذي يحتوي الإنسان (فرداً وجمعاً) يعبر عن ثقافته، باعتبارها نظاماً رمزياً تخيليا يحدد القيمة الأولى للمعني و الدلالات القائمة و التي يعاد تركيبها وتفسيرها و تقديمها حسب النظم الذهنية التي تدخل فيها، وهو نظام يرثه الفرد وترثه الأجيال، كما أنه كيان حي يؤثر و يتأثر، ، وهو من بين جميع النظم العقلية الأكثر مساواة بين الأفراد، و الأكثر حريةً وعفويةً و إنفتاحاً ، فاستيعابه لا يشترط إختصاصاً كالنظام العلمي، ولاتربية قاصدة كالنظام الإعتقادي (وهنا يظهر عوار ما يسمى بـ"أسلّمة" المجتمعات و الثقافة وتهافتها) ، إنما تكفي فيه مباشرة الحياة في مجتمع ما و التأثيرفيه و التأثر به، ومشاركته أترابه رؤيتهم للمناظر نفسها وسماعه للأصوات نفسها ، وتخيله القصص والأساطير نفسها ، ومعاناته التجارب ذاتها ، وشعوره ذات المشاعر ، وتخيله نفس القصص و التصاوير ، بل وتاثره بالمناخ ذاته.
أي أن الظرف الجامع هاهنا (مادياً و معنوياً) يخلق نوعا من الزمنية المشتركة ، والجامعة ، تلقي بتفاصيلها الخطابية (معرفةً وثقافةً و اجتماعاً وغيرها) على المكان ، وهنا تُخلق ما يمكن تسميته بـ "حالة حوار"، ويشترط لتحققها في الزمان و المكان التالي :


1.لغة.
2.معنى.


قد يقول قائل ، أن اللغة -أي لغة وليست المنطوقة/المسموعة إلا إحداها- وظيفتها الأهم "إيصال المعنى" ، وذلك صحيح، فبدون المعنى لا توجد اللغة ، ولكن ذلك التجريد قد يغفل عما يمكن أن تمثله اللغة ، من وسيط يسهل تحوله إلى زمنية جامعة أو/و أداة قمع ، لا تخلق حالة حوار ، بل تحول العلاقة بين ساكنيها إلى مرسل ومستقبل فقط.
ولعل أبرز الأمثلة التي يهمنا تناولها هنا وعلى علاقة بالسياق، في ما يتعلق بــ"المكان" وتحوله إلى لغة قامعة ، لا تنتج حالة حوار مع ساكنيها – و اللغة سكنى-،  هي "المدينة" وما تحمله من دلالة على امتداد التاريخ الإنساني، فما من طاغية إلا و ارتبط إسمه بفضاء "مكاني/مديّني" جامع ، يطبعه بطبائعه ، ويحول ملامحه إلى ملامحه، فيغرقه بصوره ومدائحه وخصال علومه وعظمته. فمن منا يستطيع فصل روما عن نيرون، وبغداد عن هولاكو ، وستالينغراد عن هتلر، وغيرها.

 ولكن السياق هاهنا ليس سياقاً مجردً ، ففي ذلك التجريد نوع من الاختزال و الإقصاء، إذ يتعامل مع "المدينة" (باعتبارها "المكان" في هذه الحالة) وكأنها كيان ثابت، لايتغير و لا يتحول و لا يحاور ولا يتحاور، وهي ثبوتية غير صحيحة ، تؤدي لإعطاب النسق الجامع (الناطق و المنطوق)، فروما أحرقها نيرون ، وستالينغراد دمرها هتلر، وبغداد أغرقها هولاكو في دمائها وحبرها فأبكى شريانيّها النهرييَّن، إلا أن روما ماتزال موجودة ، وبغداد زارها هولاكو آخر أكثر من مرة ودحرته، و ستالينغراد ضربت أروع الأمثلة في الصبر و المقاومة. أي أن العلاقة بين المكان/المدينة والطاغية ، ليست علاقة ثابتة أو صلبة، بل هي علاقة حية و متحركة لأنها حالة حوار.


وبالعودة لذكورية اللغة و أنثويتها، و اعتمادا على دراسات علم النفس ، التي تناولت الجانب الجنوسي للغة وعلاقتها بالمشاعر (ولعل أشهرها تجربة إيان ميتروف وغيرها)، والتي إعتبرت أن اللغة التي ينتجها المنطق الذكوري هي لغة "إخبارية" ، أي أنها تهتم بالإخبار عن المدلول، إخباراً وصفياً/مادياً/صلباً (يغلب عليه الجانب الوظيفي) ، في حين اللغة التي ينتجها المنطق المؤنث هي لغة "تخيلية" ، أي أنها تهتم بتخيل المدلول، تخيلاَ صورياً /لونياً/مكانياً، بعبارة أخرى، وجدت بعض الإحصائيات أن الرجل يستخدم لغة رقمية/خرائطية في إدراك مكانه و وصف طريق ما إلى موقع بذاته (كأن يشير إلى عدد الشوارع أو إسمها) في حين أن الأنثى تستخدم لغة حدسية/مكانية في وصف نفس الطريق إلى ذات الموقع السابق (كأن  تشير إلى أشكال الشوارع و/أو إتساعها/ضيقها أشكال البنايات و/أو ألوانها تفاصيل شكلية في الشارع/المكان) ، ولعل هذا ما يفسر دروج القول المجتمعي (لا تسأل إمرأة أو عجوزا عن الطريق).
إن اللغة التي ينتجها المنطق الأنثوي لغة أكثر تراكبية وحملاً للمشاعر، وبالتالي فهي الأقدر على خلق حالة الحوار مع المكان، من تلك اللغة التي ينتجها المنطق الذكوري ، الذي يعتمد الوظائفية الصلبة ، و الإخبارية المادية.
ولعل لذلك أهمية بالغة في تناول علاقتنا بالمدينة/المكان من حيث أنها فضاء جامع له وجهين:
- وظيفي: حيث أن المدينة مكان يحقق "حيز إتمام الوظيفة البيولوجية" لقاطنيه بما يضمن بقاؤهم بالمنطق البيولوجي ، فكان شرطا للمدينة أن تحقق السكن و الغذاء و العلاج و..و..لضمان البقاء الصنفي لقاطنيها.
- تعبيري: وهو الأقرب للسوسيولوجيا المجتمعية باعتبار الإنسان كائن ينتج مالايمكن لغيره من الكائنات الحية المشابهة له في الطبيعة وهو مايعرف بـ"الثقافة" ، وما تحتويه من مساحات تعبيرية و حوارية مع الإنسان فرداً/ذاتاً وجماعةً/موضوعاً.
المكان لغة تحاور قاطنيها، و كذلك المدينة ، فإن غلبت على ذلك المكان/المدينة اللغة الذكورية، أصبحت مكاناً وظيفياً لا يخلق حالة الحوار التي يمكن إعتبارها العنصر المؤسس في الإنتماء (ومن ثم الهوية) لمكان ما دون غيره.
 فإن نظرنا إلى الوطن باعتباره أرضاً نعيش عليها بالمنطق البيولوجي فما الفارق بين وطن ووطن، ولماذا يحمي الجندي حدود ذلك الوطن وليس ذاك مالم يعنِّ له شيئاً؟؟!! (وهنا يجب أن نشير إلى عوار منطق بعض رموز اليسار الإسرائيلي الذي يدعي أن الفلسطيني يملك إشكالية مع تعريف ما يسمى بالوطن).
ولتأنيث الأمكنة في أوطاننا باعتبارها فضاءات تعبيرية وليست وظيفية (كما تدعي العولمة بأن جعلت مدننا جزءاً تعبيريا لنموذجها المسيطر، ووظيفياً لنواة فاسدة تضمن الوكالة عنها)، في حراكنا الثوري عربياً دلالة ثورية ، باعتبار أن "الثورة تقوم رفضاً لحالة الإستلاب والإغتراب الذي يعايشها الإنسان في مجتمعه ووطنه وثقافته ودينه"، أوليس كل هؤلاء أمكنة تعبيرية. إن المثال الأوضح لتأنيث الأمكنة في مدننا العربية خلال الثورة وتالياً لها هو فن الغرافيتي ، الذي ينقل الحوائط من لغتها الذكورية الممعنة في الوظيفة و الإخبار اللغوي ، إلى لغة أنثوية واسعة التخييل، وهو ما ينعكس على :

- حالة الحوار الذاتي مع الأمكنة لتصبح الأمكنة أقرب لقلوب قاطنيها فهاهي تعبر عنهم وتتحدث بما يرونه (قبلوه أم رفضوه) وأبلغت عن فكرة لا إخبار فيها ، إنما تعبير وتخيل.
- حالة التعبير : الحوائط تحيط بفضاءاتنا الجامعة (شارع / منازل / ميادين / مؤسسات عامة / محطات / أحياء وغيرها) و بالتالي فهي تعبر عنا، تخبر عنّا ما نعانيه ، ولعلها الأصدق في الإخبار ، فليس بمقدور الأنظة و الحكام و الجنرالات أن يقبضوا لا على الحائط ولا على الفكرة، لذا فحوائطنا ألسنتنا.
وتلك الإسقاطات هي التي تفسر لماذا وجب تحول المكان الإفتراضي (الإنترنت و الشبكات الإجتماعية) للثورات العربية إلى مكان فعلي ملموس ومسكون، و اقتصار دور المكان الإفتراضي على أنه دور الموصل إلى المكان الفعلي ، والزمنية الجامعة التي يخلقها، وهو نفس الدور الذي أدته الفنون و الآداب، دون تمام الإنفصال عن التعبيرية الثورية و قدرتها على خلق زمنية جامعة و توعوية.
إن ما سبق يفسر لماذا تصر الدول التي تدعي حماية الفنون و حقوق التعبير عن الرأي أن تعتبر فنون الغرافيتي خروجاً عن القانون ، تحت تهمة إدعاء مطاط : "الإضرار بالممتلكات العامة" ، و كأن عموميتها هي للسلطات و ليس للسان حال تلك العامة فعلاً. ففي مصر مثلاً ، تتوحش السلطة العسكرية في تذكير المكان ومنع تأنيثه ، بمطاردة هستيرية لفنون الغرافيتي في الأحياء وطلائها بلون يدعي الحياد موتاً : الأبيض، وهو ما تكرر في طولكرم، حيث أزالت البلدية غرافيتي داعم لحراك الاسرى الجائع للحرية.

الغرافيتي يعد إنطاقاً للمكان ، و حالة حوار معه ، ليعود للمكان والكامن فيه تلك العلاقة التي يلتقيان فيها كلٌ له خصوصيته، فيحاور أحدهما الآخر ، و يتسع وجود الجدران لما يفوق حيزها الوظيفي لتكون حيزاً تعبيرياً ينطق بلسان حال قاطنيه ، ويعبر عنهم ، بمنطق أنثوي التخيل ، لا ذكوري الوظيفة.
وأمكنتنا التي نحيا في خضمها في أمس الحاجة لإعادة تأنيث لتعبرعنا ، فلا تصبح فضاءاتنا الجامعة استنساخاً استهلاكياً معولماً و نيوليبرالياً، يُحَدد لها مايجب أن تقول ومالايجب أن تقول ويسهم في ترويض الشعوب و الأفكار والتفرد و التميز بحسب ما يراه الباحثان ستيف نيفا و أنطونيو نيغري، خاصة بعد فترة الثمانينيات التي شهدت بعض الحراكات الشعبية. ولعل مطاراتنا ومراكزنا التجارية من أكثر فضاءاتنا الجامعة تدليلاً على ذلك، فالمراكز التجارية التي تحولت إلى سلعة في ذاتها تتنافس فيها العواصم الإستهلاكية جاعلة من دبي و عمّان و القاهرة و بيروت مكانا إستهلاكيا واحدا متماهيا، تغرق في علامات تجارية ليست لها ولاتتحدث معها وعنها ، ولاتأتي وحيدة أبداً و تفاصيل معمارية مفككة تتدثر بالموت معدناً وزئبقاً ، وهي تسرف في تلك "النهايات" تذكيراً لنفسها أمام كل صيغة تفضيل كـ"أكبر بناية" و "أعلى..." و "أغلى..."و..و...بأن الإنسان ضئيل جداً.

وكذا ايضاً مساكننا ، التي من لغتها "نسكن" إليها (وربط النص الديني السكنى بالأنثى لغة أيضاً) أو هكذا يجب، هي كذلك حالة من الإنتفاء و الاستلاب فنحيط أنفسنا بالأسوار ، و البوابات و الحوائط ، لا لنحمي أنفسنا بل لنقيدها ، ونصبح إمتداداً أكبر لسياسات تفرقنا ، وتؤكد على استقطاباتنا المفرقة و ليس اتفاقاتنا و مشتركاتنا. ولعل المسكن/المكان الذي لطالما كان لصيقاً بمعاناتنا اليومية تحت الظلم و القمع و القهر، خرج من حيزه الوظيفي البيولوجي إلى الحيز التعبيري ، فقط عندما اكتشف المصريون والتوانسة والفلسطينيون و الليبيون واليمنيون والبحرينيون أنهم معاً يستطيعون حماية أنفسهم و إقامة "لجان شعبية" ، إذ قال مكانهم: همومكم واحدة و قهركم واحد وظالمكم ذاته...وأنا جامعكم و أنتم جامعي.

 وفي سوريا مثلا كانت شرارة الإنتفاضة أن نطق سور مدرسة إبتدائية في درعا فخرج عن وظيفيته الذكورية إلى تعبيريته الأنثوية، بأنامل أطفال، هزت عرشاً و أجفلت بنادق فقام لها نظام كامل ، بكامل عدته و عتاده، لينزع أظافرها، ظناً أن للحلم شريان يقطع، وظفر يقلَّم.
 وها هي في البحرين نفس العقلية القمعية الممعنة الذكورة والجنوسة، تدمر فضاءاً جامعاً لا لشيء إلا لأنه عبر عمن فيه ، فأصبح لؤلؤة، إذ لا يمكن فهم تدمير ميدان اللؤلؤة إلا بكونه إخراج للبحرينيين من ذلك الفضاء الذي جمعهم وعبّرعنهم، إلى ما يفرقهم.
وفي الأردن قرر المعتصمون أن يتظاهروا في "دوار الداخلية" ، ولعل أبرز مطالباتهم بكف يد الأمن تبرر إختيارهم للميدان ذاك تحديداً باعتباره مكاناً جامعاً معبراً عنهم و عما يطالبون به أملاً للبلاد، وليس مكاناً وظيفيا قد يتشابه مع الكثير من الأمكنة في البلاد ، التي تحولت من "فضاء" إلى "حيز".

في الخاتمة ، كم نخسر المرأة باعتبارها إنساناً ، و كم يخسر الوطن نفسه حين يُرمز له بكيان لاحرية له.

"قل كلمتك و امش معها" – حكيم قديم من بلادي






Wednesday, 16 May 2012

On Dancing

"Even while bringing the BODY into focus, Dance also spatializes, which is to say it foregrounds proxemic relations between characters, spectators, and features of the set. The over-shifting relational axes of space breaks down binary structures that seek to situate Dance as image or identity, and the spectator as observer rather than co-producer of meaning. What Dance 'Does' then, is to draw attention to the constructedness of dramatic representation, which suggests that it can function as an alienating device in the Brechtian sense. This calls for analysis of its ideological encoding, an especially important project in criticism of post-colonial texts"
(Dance, Movement and Resistance Politics) by "Helen Gilbert".
_______________________________________________
That's how Dancing is a resisting representation.

Tuesday, 15 May 2012

عن "النكبة"




فيما يتعلق بـ"النكبة" يجب علينا أن نعي التالي:
- مجرد القول بـ"ذكرى" النكبة ، يخرج الفلسطينيين والعرب من الزمنية الجامعة لهم: "النكبة" بأن يُعلَّنَ إنتهاؤُها وتحولها إلى ذكرى ، تستحضر نوعا من البكائيات -الشخصية و الرسمية - على "بلد خطفته الأساطير"، وما أن تنتهي تلك "الذكرى" يخرج الفلسطيني والعربي إلى زمنه الفاعل الحالي ، الذي مرت به لحظة الذكرى البكائية و انتهت ، فيعود لفكرة التنسيق الأمني و مشروع الرباعية و استحقاق أيلول والتطبيع و التبادل التجاري والمشاركة الثقافية وغيرها من تفاصيل تدرك بها مؤسساتنا الآخر الإسرائيلي، فتنتج على أساسها خطابها الذي نستخدمه عقليا ونورثه لإدراكنا الحضاري و التاريخي ، وننتج نحن نت ذلك تمثلاتنا الذاتية لنا ولعلاقتنا بالآخر، و أمثلة ذلك حاضرة بالذات بعد نكبتين إدراكيتين أسستا لعطب في إدراك العربي لنفسه وللقضية: كامب ديفيد (برعاية سيء الذكر السادات) و مفاوضات مدريد التي أدت لأوسلو:
- المثال الأول: في وقت معاناة الأسرى ونضالهم اللازوردي ، كل ماجل في ذهن "المدعو" أبو مازن هو الاكمئنان على صحة ربيبه بيريز.
- المثال الثاني: إرسال "الخنزير"مبارك رسالة تهنئة للكيان الصهيوني بما أسماه "عيد قيام دولة إسرائيل".

النكبة لحظة فلسطينية وعربية حاضرة ودامية في خاصرتنا، فما الفارق بين "دير ياسين" و "جنين" وغيرها!!
النكبة التي أسست "لإختطاف بلد" كامل لم تنته، فهو لا يزال قيد الإختطاف، وعليه يجب أن نعي أننا لم نتحول بعد لأساطير...فلتنهوا صلواتكم على "الوطن" الاسير ، فالأسطورة لم تنته بعد




Friday, 11 May 2012

تأملات في المكان 1



إنه المكان الذي نحب، المكان الذي يحمي، أو يكثف الوجود في حدود تتسم بالحماية وان تذرعت بالعدائية، المكان الذي يمارس وظيفة تكثيف الزمن فيه في مقابل زمن آخر، إنه المكان الذي يسيطر على الزمن فيكثفه أو يتسامى فيه ، وليس العكس بأن يكون مكاناً مذروراً في الزمان.
إنها صورة المأوى المنسوجة في جدل الصغير و الكبير و الداخل و الخارج و المفتوح و المغلق..الموسومة بالألفة، الصورة التي تحملنا إلى حلم يقظة حميمي نتذكر فيه البيوت والحجرات. نرى إلى جمالية ليس لها بالضرورة أساس موضوعي، نندمج سيكولوجياً بالمكان بصورته، ونتعلم أن نسكن داخل أنفسنا.

مفهوم المكان يقوم على الألفة ، متى تآلفنا مع أمكنتنا كانت أمكنتنا.

Sunday, 29 April 2012




البيوت من ناس ناس و الأحصنة من ريح

Sunday, 8 April 2012

الإلحـــــــــــــــاد

العبث يراهن بالله حين نحجب عنه هباتنا
كم نحن قوم ملحدون
***********
إلينا

المـــــــــــــــــــــــــــــــاء

(وجعلنا من الماء كل شيءٍ حي)
فلولا الماء لدامت القطيعة بين الأرض و الريح ، هكذا قال كتاب الأرض و اللون.
******
إلى الأسرى

المتـــــــــــــــاهة



للمَتاهةِ ميثاقُ النسيان،




للمَتاهةِ بذلُ النهايةِ تتجددْ




لتُقسمَ الإرثَ على الهَلْعِين دماً.

المتاهةُ تراشقُ الهباءِ المزيّن،



بمكرٍ ، تقلبُ درهمَ البَقاءِ رنيناً في جيبِ الفقيرِ و المقموعِ



فتشتري دماً وكرامةً



برمادٍ يخيمُ على الحَناجرِ و القُلوبِ



أبهذا أنتَ أكيدٌ أيها التَاريخْ؟



تتَجملُ بنَهْبِّكَ منا وبنا



فلانسطيعُ أن نكتُبَكَ شعراًفيكتبك المجرم الأبهة فينا...بصمتنا ودمنا.

______________________________________________

إلى بلادي في حضور الصمت الساكن بزعم الموت يتمشى على علوم الثورات و الدم.

Tuesday, 3 April 2012

"تودد" أو "الثورة التي لا تؤنث لا يعول عليها" (1)

على امتداد أربعٍ وثمانين ليلة من ليلة وألف ليلة، في ظلال الحكي الشهرزادي (الأنثوي) في أبهة الحضور الذكوري لشهريار الثقافة / السلطة / الذكر (وكما سيتضح تباعًا الذكر / اللغة)، في حضور السطوة "المسرورة" للسيف المذكر أيضًا، وعلى ركام إناثٍ / حكيٍ سابقٍ على شهرزاد، ظلت تلك القاصّة، تسرد على مسامع الأمير قصة الجارية "تودد"، متخذة من انتصاراتها السردية، حماية لها من بطش السيف الأميري الـ"مسرور"، مراكمة الليالي سردية فوق سردية، مؤسسة لتأنيث السرد الحكائي ألفًا من اليالي وليلة، لا قبلا ولا بعدا، في ظرف ثقافي دائم الانتصار للذكورة.
أما "تودد"، التي دفعت الموت عن شهرزاد كل تلك الليالي الـ84 من الألف وواحدة، فقد كانت جارية لشاب يدعى "أبو الحسن"، ولذلك الأخير قصة تترواح فصولها بين العبث و الفشل، وحيد والديه، ذا جاه عريض وثراء عظيم، ولم يكن لوالده من الذرية إلاه، ولكن على خطوط يد هذا الشاب، أهدر الجاه وتبدد الثراء، وصولاً به إلى حافة الفقر والإفلاس والإملاق، ولم يتبق له إلا "تودد" الجارية.
وعلى مشارف يوم جديد، في بيت خال من الزاد والماء، قالت له:
"ياسيدي احملني إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد، وأطلب ثمني منه عشرة آلاف من الدنانير، فإن استغلاني فقل له يا أمير المؤمنين وصيفتي أكثر من ذلك، فاختبرها يعظم قدرها في عينك لأن هذه الجارية ليس لها نظير ولا تصلح إلا لمثلك"، ثم قالت له إياك أن تبيعني بدون ما قلت لك من الثمن فإنه قليل في مثلي، وكان سيد الجارية لا يعلم قدرها ولا يعرف – ولذلك دلالته فالأشياء لا تقاس إلا ببعدها المادي كـ "كونها ملك يمين"-  أنها ليس لها نظير في زمانها.
طرقات على باب الخليفة العالي، يفتح الحراس للقادم وما ملك، وفي حضرة الخليفة، يتعجب الرشيد من ارتفاع الثمن، ولكن أبا الحسن يطلب من الخليفة الرشيد (امتحان) ما ملك ليعرف قيمتها فيملك، وهنا تعرض على الرشيد "تودد" عرضًا فيه من التحدي ما يكفي لإثارة الخليفة وهزّ بابه العالي، وكذلك ما يكفي لجلب علماء الخلافة من البصرة، وعلى رأسهم إبراهيم بن سيار النظام، ومعه الفقهاء والفلاسفة والراسخون في العلم في زمنهم، وتدخل معهم تودد في مناظرة، لتخرجهم مهزومين واحدًا واحدًا من المجلس، عراة من ثيابهم ومن وجيه معنوياتهم ومنزلتهم.
إذ تتقابل الأنوثة عرضًا ضعيفًا في مقابل القوي الذكر الدائم، فالأنثى ها هنا جارية –لاسيدة- لا حرية لها، فتاةٌ/شيءٌ/ملكٌ وحيدة لا أهل لها، بلا سند أسري أو اجتماعي أو مادي، صغيرة السن، غضة الجسد فاتنته، وصاحبها لا مال له ولا أمل، ومنزوع الجاه والثراء والمنزلة، وكل ذلك –ويزيد- عوامل ضعف.
وفي مقابل ذلك يأتي الذكر/ الخليفة، متسلحا بذكورته المُلك والسطوة، وذكوره الرواسخ في العلم و الفلسفة والدين والجاه والسلطة والبطش، لتجتمع الدولة بسلطانها السياسي والمالي والحضاري والديني والثقافي، لتواجه "تودد"، سلطان راسخ، فحولة مكتملة ومثقفة وممنطقة ومشرعنة في مواجهة جسد غض وسن صغير وأنوثة مملوكة.
وتتهاوى الأحداث على مسمع شهريار ، وهاهي "تودد" تبارز الرجال واحدًا تلو الآخر، لا تناظر أحدهم إلا بعد هزيمة الأول علانية، أمام الخليفة ورهطه من راسخي المكانة وعلماء الزمان الدوّار. يبدأ سائلاً، فتجيب "تودد" بإفحام، فتهدد مواطن التمكين فيه، شخصًا ومنطقًا، فيلجأ للحيلة للإيقاع بها، بمنطق الذكر الغرور، تهزمه رجاحة الأنثى ودهاؤها الأنيق، فيلعن الرواسخ راسخًا راسخًا هزيمتهم، مستسلمين لخروج العلم عن ذكورته إلى أنوثتها، وفصيح لسانها.
ويأتي دور "تودد" حينها لتسأل الراسخ بعدها أسئلة في ظل علمه، تنتهي على الدوام بعجز إجاباته، و انفضاحه أمام سلطانه "الرشيد"، فتعاقبه الأنوثة الحكم بأن تُنزع عنه ثيابه ،ويهرب عاريًا خذلاً.
ولعل إصرار السرد على الإشارة إلى إصرار كل راسخ من الرواسخ على التعامي عما صار بسابقه له من الدلالة الكثير، فها هم يتهاوون في منطق التأنيث، واحدًا تلو الآخر، المقرئ ثم الطبيب وقبلهما الفقيه – بأمر من السلطان بعد ممانعة-، و المنجم في الخاتمة إذ يقول للجمع: "اشهدوا على أنها أعلم مني" وانصرف مغلوبًا، هو دلالة على ذاتية الفحولة في منطق كلٍّ ممن سبق وتلى.
ولورق التوت على عوراتهم منطق الفكاهة بعد الهزيمة، فهاهو الـ"حكيم" يسأل "تودد": (أخبريني عن الجماع..)
فلما سمعت ذلك أطرقت رأسها واستحيت إجلالا لأمير المؤمنين، ثم قالت: "و الله يا أمير المؤمنين ما عجزت بل خجلت وإن جوابه على طرف لساني". فلم يكن إلا التندر والسخرية حلاً لتلك المحاولة "الحكيمة"(!!!)، بعد الإطراق الصامت على استحياء منتصر، ثم أتت الخاتمة عندما أقّر (النظام) قوة تلك الثقافة الأنثوية جسدًا ومعنًى في "تودد"، حينما سألها عما هو أحّد من السيف؟ فقالت: اللسان.
************







للرمز في قصة "تودد" كل البطولة، فبعيدا عن مسرحة السرد وساخره في بعض المواقف، إلا أن البطولة في تلك القصة هي للرمز، بداية من الاسم، فـ"تودد" اسم يعود إلى نسب دلالي ثري، فالود هو أحد أبواب الحب ومداخله، وهو باب من خمسة وخمسين بابًا للعشق – ذكرها ابن القيم الجوزية، فالود "خالص الحب وألطفه وأرقه، وهو من الحب بمنزلة الرأفة من الرحمة"، ويقول ابن القيم، هو "أصفى الحب و ألطفه".
ويتضمن الود معنى "الجلب"، فتودده تعني اجتلب وده، ومن هنا كان لاسم الجارية "تودد" مسافة ثورية، رافضة لمنطق العام و السائد لغةً، بالذات حينما تتواطأ الثقافة مع اللغة لقهر "تودد" الأنثى، فهي جميلة، وصغيرة السن بلا حسب ولا نسب، و الظرف قاهر. ذلك يعني تحرر الجسد الأنثوي من سلطة اللغة وصفًا وتحوله من قيمة جسدية إلى ثقافية وفكرية رغمًا عن الثقافة نفسها، فالأنوثة تعري الرجولة وتهزمها، وهي غاية المفارقة وأقصى مداها، وفيها قلب للسائد الاجتماعي والثقافي، إذ تدفع المرأة ها هنا بنفسها إلى صدارة المقام الاجتماعي، فتقف أمام الخليفة وفي مجلسه، ويتم إحضار أباطرة العصر من راسخيه في العلم وغيره، وهو ما يمثل ذروة الهرم الاجتماعي، لتنتصر.
للرمز أيضًا دور، عندما نجد أن حكاية "تودد" لم تحقق ثقافة "نسائية" ذاتية، كما يرنو الكثير مما يسمى "الحركات النسوية"، التي تنادي بالمساواة من باب الخروج عن النسق الثقافي، وهو ما يعتبر في ذاته اعترافا "جنوسيا" بالتفوق أو "الغيرية" الذكرية، إن الثقافة المجازية في القصة هي:
- ثقافة جسد مقابل عقل.
- سادة في مقابل جارية.
- ثقافة كتاب ثابت في مقابل إبداع متمرد.
وهي ثقافة الرجل بلغة الرجل و عقل الرجل، ولكنها في ذاكرة الأنثى وعلى لسان الجارية، مما يمثل استلابا أنثويا لكل ما هو رجولي/ذكوري/فحولي، فالأنثى تخطف سلاح الرجل وأدواته السلطوية والمعنوية والدينية والثقافية، وتصوبها نحوه لتهدم صنم الفحولة والذكورة من عليائه.
لجمالية جسد "تودد" دورها، فالامتلاك المادي الأول لأبجديات وصفية جنوسية كالجسد الغض الفاتن المصحوب بصغر السن، لم يتوقف على حدود ماديته، إذ كان من الممكن لذلك الجسد أن يكون مصدر ضعف لصاحبته بوصفه إغراءً جنسيًّا مشاعًا، بحكم أن صاحبته "جارية"، إلا أن تحول الجسد من قيمة مادية إلى قيمة ثقافية زاده قوة فاقت ثوابت و"رواسخ" عصره البالغة الفحولة والذكورة، إذ وصلت قوته أن أنقذت "شهرزاد" بعد توسل لم يكتب له النجاح، بذكورها البنين الثلاثة، من مصير "شهريار"ـي محسوم و"مسرور" لمدة أربع وثمانين ليلة، فتحولت سردية "تودد" إلى انتصار أنثوي ممتد.
لملك اليمين ها هنا دلالة، أيمكننا أن نتخيل استواء المعنى والدلالة لو كانت "تودد" سيدة، حرة؟؟
أيمكن أن تُعرض "تودد" في سوق النخاسة هذا –على تفرده- من دون تدخل الرجل الذكر في المواجهة أو التقييم إن كانت سيدة حرة؟
إن شخصية الجارية جاءت بصفتها قناع بلاغي أو تورية، الهدف منه تحرير كامل الجسد الأنثوي ثقافيا، من بطش اللغة والمجتمع والثقافة، وكل أولئك هو نتاج لعلاقات القوى و السلطة، ذلك التحرير لا يأخذ بعده التام إلا بالوعي بالمسافة بين النص والحكي.
ولعل الثقافة في مجتمعاتنا – القديمة و الحديثة- هي فعل ذكوري محض، ولعل الأعراف الإجتماعية في بلادنا تكشفها إحصائيات "الأمية بين الإناث" و "التعليم الأساسي للإناث" و"التعليم العالي للفتيات" و "حملة الشهادات العليا بين النساء" و "النساء في العمل العام" و "عدد الرجال الذين يعتبرون الدراسة والأكاديميا و العمل العام أهم من البيت ومسؤولياته في شريكة العمر"وغيرها من الإحصائيات. وهو ما لايختلف كثيرا عن العصر القديم مما أشار إليه –مثلاً- السيوطي في كتابه "نزهة الجلساء و أشعار النساء" من أن الثقافة النسوية تعتبر معادلاً مضادا للحرية و السيادة (!!!) ، والمرأة الحرة لاتمارس الثقافة، سوى إستثناءات يسيرة لاتشكل نسبة ذات اعتبار وكثيراً ما يحدث التكتم على اسم المرأة الحرة إذا ماصارت على قدر من الثقافة مثل حال "علية بنت المهدي" صاحبة المجلس الثقافي الذي لا تجرؤ على تقديمه باسمها الحقيقي، التي ادعت الثقافة باسم منتحل ، لأنها –وإن إدعت القدرة على مواجهة الثقافة الذكورية للمجتمع- فهي لاتملك من شجاعة الرمز إلا القليل، ذلك القليل الذي لا يحررها تماما –كما هو الحال مع "تودد"- من التصميم الإجتماعي والثقافي للأنوثة، كمتاع ذكوري.
فالثقافة إذا صدرت من أنثى ، فهي ليست تحررية كما تقر الدساتير و العقائد الثقافية، فـ"علية" أخت هارون الرشيد التي قالت الشعر وأعلنت الحب و جاهرت بالغناء، سببت لأخيها حرجاً ثقافياً كبيراً، من دون مواجهة مع سلطته المعنوية ولا السياسية و لا الثقافية ولا الإجتماعية كما هو الحال مع "تودد" ومعركتها الدلالية و الرمزية مع فحول الرسوخ في ذاك العصر، إذ وجد الرشيد – وهو المعروف بحبه للشعر و الطرب- نفسه لا يقبل تداخل جنوسة الأنساق الثقافية بهذا الشكل المهدد للذكورة و الفحولة الثقافية السائدة، بأفعال أخته التي هي في نهاية الأمر أفعال جوارٍ- كما وصفها الأصفهاني في كتاب الأغاني- ، وقد كانت "علية" سيدة من بلاط راق ومتطور ثقافياً ويحيط بها الفن و الجاه ة الثقافة من كل مكان، فأمها مغنية وجارية في أصلها، ولها أداء شعري ولحني راق الخليفة المعتصم يوماً ، ولما سأل عن قائله غضب غضباً شديداً حينما قالوا له أنه لعمته "علية"، وتلك غضبة ذكورية على الحمى الثقافي ، مدفوع ومشروط بجنوسية ثقافية، و إلا فما الذي يجيز للجواري ماهو حرام على السيدات؟
لذا، كان أكثر ما يوضح ذلك هو الجذر الدلالي لكلمة "تودد"، الذي يحيلنا إلى ماورد في معنى (المودة) حيث جاءت الإشارة إلى أن معناها (الكتاب) –القاموس المحيط : مادة "ود"- ، وبه فسر بعض المفسرين قوله تعالى (تلقون إليهم بالمودة) أي بالكتب. وذلك مايقيم علاقة جذرية بين اسم الجارية ومفهوم الكتاب، وكأن "تودد" قد برزت أمامنا بوصفها كتاباً أو موسوعة معارف من المحفوظات العصرية.
وهنا نعيد التذكرة للجميع، بأول آية في الذكر الحيكم، إذ أنها مع "تودد" تعري زبانية الدين، ووثنيوا السلطة وعسكريوها،  في هذا العصر فتقول لنا على أعتاب جسد "تودد" الثقافي الثوري: إقرأ؟
فيردون: "نحن نيام"، وكلنا –ذكوراً و إناثاً- "تودد" بلا دلالة تحررنا، مالم نتحرر قبلا بدلالتهنَّ.
 ************




للثقافة ملحمة ذكورية أخرى في الشأن الأنثوي ، فهاهو غلغامش تصدره الثقافة محارباً عن الإنسانية والطموح الإنساني الأزلي للخلود و التوق للآلهة، دون أن تذكر شيئاً أو حتى إسماً عن الأنوثة المنتهكة في الطريق إلى السماء.
إذ كانت الأنوثة أداة للسلطة ، لها "وظيفة" تتحدد بالمنطق البيولوجي، حيث يرد في بداية النص الملحمي المسماري:
وأنبيء غلغامش عن بأس هذا الرجل
وليعطيك بغياً مومساً تصحبها معك أيها الصياد
دعها تسيطر عليه وتروضه
وحينما يأتي ليستقي مع الحيوان مورد الماء
دعها تخلع ثيابها وتكشف عن عورتها ومفاتن جسدها
فحالما يراها فإنه سيقترب منها وينجذب إليها
وعندئذ ستنكره حيواناته التي ربيت معه في التربة
تتعامل الثقافة المسرودة هاهنا مع الأنوثة بالمنطق الوظيفي الأداتي، مغطية على طول السردية على الكينونة الأنثوية ، محولة إياها إلى ملموس ذاتي ، ولا يعرف لها إسم –باعتبار أن الإسم أولى أدوات تعريف الشخصية المؤثرة في بناء الحبكة للسرد- ، إذ تقدمها الثقافة سرداً بالتعريف الوظيفي لها ، إذ أنها على طول السردية "بغي" و "مومس"، لتقيد الجمالية الأنثوية بحدود الهدف السلطوي ، لتأكيد أن الجمال عورة وفتنته بداية السلاح و الشَرّكْ، إذ يرد في موضع آخر:
 
هذا هو أيتها البغي فإكشفي عن نهديك
إكشفي عن عورتك لينال من مفاتن جسدك
لاتحجمي بل راوديه و ابعثي فيه الهيام
فإن متى رآك انجذب إليك
إنضي عنك ثيابك ليقع عليك
علمي الوحش الغر فن (وظيفة) المرأة.
 
أي أن الثقافة السردية هاهنا تحدد الأنوثة "وظيفياً"، وهو مايعيد التأكيد على أن التأسيس الثقافي للأنوثة لا يخرج عن:
1. الغواية الجمالية مادياً ، وليس قيمياً ، وهو ما تحدده الكثير من المواريث الدينية و الاجتماعية وماتعارف عليه العرف و الجمع، بالتواطؤ مع اللغة.
2. التناسل، إذ يرد تعريف "الأنوثة" في كتاب النحو الواضح بالقول: "المؤنث" الحقيقي هو الذي يلد ويتناسل، ولو كان تناسله عن طريق البيض والتفريخ.
أي أن التأنيث محصور في وظيفتين، لهما نطاقهما الزمني ، المحصور في فترة من بضع و عشرة من السنين مابين سن البلوغ : إتضاح الشكل غواية بيولوجية إلى ماقبل الكهولة: إنطفاء القدرة التناسلية بيولوجياً، أما ماقبل ذلك ومابعده ، فليس من "حقيقة" الأنوثة في شيء ، ولذلك دلالته حتى في الثقافة الدينية إذ تحتجب المرأة على مشارف البلوغ أو ماقبل، ولاتلزم به فيما بعد، في تخصيص لجغرافية الجسد البيولوجية، تحقيقاً لفكرة الحور العين ، ملك اليمين الذكوري في الجنان، ليتماهى الجسد و البيولوجيا دينيا وثقافيا.
وبالعودة للملحمة المسمارية:
لبث أنكيدو يتصل بالبغي ستة أيام وسبع ليالٍ
وبعد أن شبع من مفاتنها
وجه وجهه إلى ألفة من حيوان الصحراء
فما أن رأت الظباء "أنكيدو" حتى ولت عنه هاربة
وهربت من قربه وحوش الصحراء
ذعر "أنكيدو" ووهنت قواه
خذلته ركبتاه لما أراد اللحاق بحيواناته
أضحى "أنكيدو" خائر القوى لا يطيق العدو كما كان يفعل من قبل
ولكنه صار فطناً واسع الحس والفهم
رجع وقعد عند قدمي البغي
وصار يطيل النظر إلى وجهها
ولما كلمته أصاخ بأذنيه إليها
كلمت البغي "أنكيدو" وقالت له:
"صرت تحوز الحكمة يا "أنكيدو" وأصبحت مثل إله
فعلام تجول في الصحراء مع الحيوان؟
تعال آخذك إلى "أوروك" ذات الأسوار
إلى البيت المقدس، مسكن "آنو" و"عشتار"
حيث يعيش "غلغامش" الكامل الحول والقوة
المتسلط على الناس كالثور الوحشي".
ينبني التعامل الثقافي مع الأنثى في النص المسماري  على توظيف الدلالة الجسدية للمرأة ، أو حيزها الوحيد المعترف به في الفضاء الثقافي، توظيفاً في الحبكة سلطوياً ، إذ يراد بها نزع القوة عن  "أنكيدو"، في منطق معادل ومقابل لذلك الذي حدث مع "تودد" ولكن الدلالة واحدة.
إن تحديد الحيز الوجودي للمرأة في الملحمة –إلى الآن- هو مجرد أداة وظيفية للثقافة الذكورية ، ولكن تلك الثقافة هزمتها الأنوثة –جزئياً- ، وهي تحرر "أنكيدو" من همجيته وبدائيته ، رافعة إياه لمنزلة أعلى من تلك التي كان بها ، وهو مايمثل أحد أهم مفاصل ومواقع النصر الأنثوي في الحكي على الثقافة الذكورية ، بتحرير "أنكيدو" والتاسيس لحالة من الندية و المساواة بين سليل الآلهة ، وسليل الطبيعة (المؤنثة، فأنكيدو من أم لم يرد ذكرها، وثقفته أنثى).
تلك الأنوثة التي إنتصرت إنتصاراً تالياً على السابق، حيث علمت "البغي/المومس" "أنكيدو" أحد أهم تمثيلات الثقافة، وطقوسها: الأكل ، إذ تقول الملحمة:
ربي على رضاع لبن الحيوانات البرية
ولما وضعوا أمامه طعاما تحير واضطرب،
وصار يطيل النظر إليه
أجل لا يعرف "أنكيدو" كيف يؤكل الخبز
لأنه شب على رضاع لبن حيوان البر
ولم يعرف كيف يؤكل الخبز
ولاكيف يشرب الشراب القوي
ففتحت "البغي" فاها وخاطبت "أنكيدو":
"كل الطعام ياأنكيدو، فإنها سنة الحياة
واشرب من الشراب القوي، فهذه عادة البلاد"
فأكل "أنكيدو" من الطعام حتى شبع
وشرب من الشراب القوي سبعة أقداح
فانطلقت روحه و انشرح صدره وطرب لبه ونور وجهه
نظف جسده المشعر ومسحه بالزيت
وأضحى إنساناً، لبس اللباس وصار كالعريس
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالنصر الأنثوي لأنكيدو وبه، مكَّنه  بما حبّاه من الحكمة، و الحس و النباهة  و الثقافة، أن يمنع  طقس "الزواج المقدس"، و الذي تقوم فيه "كاهنة" بدور الآلهة لتحقيق الاتصال الجنسي مع الملك (ومايحققه ذلك أيضاً من دلالة النفي والإخفاء للأنثى الآلهة، حيث لا يمكن حتى للآلهة من تخطي حدود وقيود المنع والتخصيص الجسدي الأنثوي ثقافياً للذكر/الإله/الملك أو سليله، بل تحتاج لوسيط يمثل نفس القيمة الجسدية الأنثوية ، و إن كان ذا مرتبة أقل قداسة، فالقدسية لا تحرر من الذكورة في حالة الآلهة المؤنثة أيضاً).
وهاهو "أنكيدو" الذي حررته الأنوثة، يتصدى لغلغامش ويمنعه من دخول المعبد (الحيز الذكوري الجنسي المقدس ، الذي لا تحضر فيه الأنثى كاملة إلا محض متاع وخفاء و تخصيص)، فتنشب معركة بين البطلين ، ودلالتهما (مصارعة)، تنتهي بهزيمة "أنكيدو"، بعد طول مقاومة واستماتة. وكما أي سلطة ، تتجمل "الثقافة" بالمهزوم، وهاهو "غلغامش" الرمز و السلطة والثقافة الذكورية والمؤله (في ثلثيه) ، المنتصر الذي لم تحرك فيه الأنوثة إلا حس التجبر و التسلط و القهر (تقول الملحة وتركز على أن غلغامش كان يواقع الفتيات ليلة زفافهن قبل أزواجهنن ولم يترك فتاة لأمها، ولا صبية لبعلها)، ينعم على "أنكيدو" الذكر -أيضا- الذي حررته الأنوثة فتمرد على الثقافة و السلطة، بنعمتيَن، ليسا إلا منةً من الثقافة / الذكر:
1. تسمية شهر آب/أغسطس في التقويم البابلي بشهر "غلغامش": الذكر المنتصر.
2.ربط صداقة "أنكيدو/المهزوم" لـ"غلغامش/المنتصر" باعتراف الأول بغلبة خصمه له ، الذي يتحلى بالملوكية المقدسة، في طقس أقرب مايكون للأيروسية والذكر المسيطر.
************
في حركنا الثوري العربي (والنضالي أيضاً كما سيرد تباعاً في أجزاء أخرى من الدراسة) ، نجد كثيراً من ظلال "تودد" و "علية بنت المهدي" و "البغي/ المومس" ورمزيتهم التي لا تستعص إلا على مذكر سلطوي/ثقافي/اجتماعي/ديني فهماً. فمن الحراك الثوري المصري مثلاً، ها هي "قتاة التحرير" التي عراها جنود المجلس العسكري المصري، تترادف في رمزيتها مع "تودد"، بجسدها الواقع تحت سطوة قوتين قمعيتين ظاهرتين:
- العسكر: فيما يمثل البنية السياسية (علاقات القوى)
- الدين (تأويلاً): فيما يمثل جزءا حيويا من البنية الثقافية (علاقات المعرفة)
أما القوى الغير ظاهرة و التي ساهمت في قمع الفتاة، فيمكن القول أنها قوى "مركبة" من التفاصيل المجتمعية، والأعراف، والتقاليد وغيرها، ولكن الجدير بالذكر أن كل تلك الأنساق لاتنفصل عن (علاقات القوى: السياسية و التي يملكها العسكر الآن ومن تواطأ معه) و (البنية الثقافية وما يمثله التأويل الديني وتفسيراته و المعرفة من عنصر أساسي في تكوين تلك البنية).
الجسد المؤنث في الكثير من التأويلات الدينية –وليس النصوص- هو إمتداد للتعريف اللغوي للمؤنث،إذ يعتبر رمزية الجسد لا تخرج عن كونها رمزية غواية  جنسية ، ومثير يفقد من يقع تحت سطوة الغواية إنسانيته وقيمته ويحوله لحيوان يقاد بالغريزة لا عقل له، أي أن الجسد المؤنث هاهنا يصيب من يراه بدونية تعتريه، وتفصل بينه وبين "ألفته" –من البشر أو الأتباع أو أصحاب نفس الدين والتأويل- ، وهي نفس الوظيفة التي أريدت "للبغي/المومس" في تعاملها مع "أنكيدو" باديء الأمر، ولهذا وجب على الدوام إما "حجبه" و إما "تنقيبه"، أي أن الشحنة التي أعطيت للجسد الأنثوي هاهنا هي شحنة تنفي عن الجسد وجوده القيمي الإنساني، وتحصره في الوجود البيولوجي وتبعاته.
فإن كانت "الأجساد كيانات مختلفة طبيعياً (...) فهي كذلك ظاهرة طيعة إلى حد كبير، ويمكن شحنها بمختلف أشكال الوة المتغيرة" –بحسب فوكو-، فعلينا أن نتذكر أن الجسد و حركته هما رسم على إحداثيي الزمان و المكان ، ولعل غياب التعبير الجسدي ، هو في الأصل رديف –تعبيري في ذاته- لمشكلة غياب الحرية والديموقراطية، إذ أن حرية الجسد تتحقق في الوجود والإزدهار تعبيرياً ، أي أن للجسد فنون أوسع من تعاريفنا الظرفية و الشرطية لكلمة فن، وأقرب للتعبير "الرمزي" –كما الحال في بطلاتنا الواردة أعلاه- ، أي أن الجسد وجد لتحقيق قيمة : الرمز، وهي في أصلها –بحسب غلبير دوران- : " تأكيد الاتجاه للحرية الشخصية"، وهو الدور الذي لا يتحقق إلا في بوتقة الحرية –التي يسميها "دوران" : "محرك الرمزية" أو "جناحي الملاك"- تلك البوتقة التي أعطت لفتاة التحرير قدرتها التحررية والثورية الهامة:
فتلك الفتاة أريد قمعها "جسدياً ورمزياً" في حيزيّها العام و الخاص، فوجودها معترضة على سياسات الطبقة الحاكمة في ذلك الظرف  (المجلس العسكري) ، إستلزم نفياً وطرداً لها ولبقية المتظاهرين المعتصمين معها من الحيز الجامع لهم بصفتهم مواطنين لهم آراؤهم التي قد تختلف مع السلطة الحاكمة، ولعلها الصورة الأكبر و الأكثر رمزية من حيث التعبير الجسدي، عن رفض تلك السلطة و سياسياتها باستخدام الجسد البشري في"اعتصام" في مكان وزمان معيّنيَن.
أما الحيز الخاص لها: (الجسد الأنثوي) و الواقع تحت تأويل ديني ما "النقاب" يتعامل مع جسدها باعتباره ملك يمين لاشأن لها به ولايعبر عنها في حيزها العام، فهو مغطى لا لها ولكن لصاحبه ، في صورة شهوانية وجنوسية عن فكرة الحور العين الجنانية وقصرها على التعريف المادي الجنسي.
 بكلمات أخرى ، فإن مواجهة تلك الفتاة لذلك القمع الجسدي الواقع  عليها هو قمة التعبير والفعل الثوري الرافض والحسام في رفضه لمسألة "قمع المختلف/الرافض لسياسات المجلس العسكري".
وهو ذلك الحسم الذي عرى ، تماما كما حدث مع "تودد"، إذ عرى كل من قنن له، و أسس وشرعن له. ويزيد الأمروضوحاً ، ورود "علية بنت المهدي" في نفس السياق الثوري ، وهي الفتاة التي تمردت –كما تدعي- على الأنساق المجتمعية و الثقافية و الدينية في مجتمعها بأن عرضت العاري من جسدها على وسائط الإنترنت، وهو نوع من التمرد ى-كما قد يراه البعض- كشف إزدواجية المجتمع في التعامل مع القوى القامعة له، فنرى أن "علية (أوعالية) المهدي" –كما تسمي نفسها- قد جذبت إليها رفضاً وقبولاً من لا يمكنه أن يتحرر من الأنساق الثقافية والسياسية و المجتمعية القامعة له (كما في في حالة فتاة التحرير)، ليصبح أغلب من يهاجمونها يملكون نفس الحمية في "الخرس" و "الصمت" و "التواطؤ" و أخيراً "الهجوم" على فتاة التحرير التي عراها "عسكرهم/سياستهم" و "دينهم/تأويلهم".
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد ، ليظهر لنا فيصل ثقافي آخر وهو "سميرة إبراهيم"، التي تقترب بـ"فتاة التحرير" و "تودد" من  "بغي/مومس" "أنكيدو"، التي حررته بجسدها، فسميرة بنت الصعيد ، بنت النسق الإجتماعي و الثقافي البالغ الذكورة في التعامل مع المرأة تتحدى نظرة المجتمع والثقافة:
- للفتاة التي تقتحم مجال العمل السياسي العام بصفته حقلا ذكوريا، وتقضي كما العديد من الثوار و الثائرات ليلها في الحيز الجامع (ميدان التحرير) باعتباره حيزاً جامعاً للمناضل السياسي المذكر أولا ، ولامكان للفتاة خارج بيتها ثانياً.
- للفتاة التي وقعت ضحية اعتداء جنسي مبرر أو غير مبرر، باعتبار أن الدارج في المجتمعات الذكورية  (والمحافظة) أن الأنثى لها نصيب كبير من اللوم.
- للفتاة بنت المجتمع والثقافة المحليتان اللتان تعتبرانها جزءاً لا يتجزأ من فضاء ذكوري لا تكون كاملة إلا به.
والأهم أن القيمة التي تحددها "فتاة التحرير" وصولاً إلى "سميرة إبراهيم"، و إقترابهما من رمزية  "بغي/مومس" "أنكيدو" ، هي قيمة في أصلها قيمة ثورية ، قامت –كما الثورة- لرفض إستلاب الإنسان في الثقافة و المجتمع العربيين ، باعتبارهما تمظهراً وتمثيلا أولياً وتراكمياً لعلاقات القوى السياسية و المعرفية. (ومخطيء من يظن أن الثورة قامت لتغيير في الكروش القابعة على الكراسي فقط).
وأول الإنسان الأنثى، باعتبارها الإستثمار الأسمى إنسانياً ، وهو ما ظهر جلياً في أثر "مظاهرات السيدات/حرائر مصر"، وتبعاتها على الحس الثوري و الحراك الثوري.
ولعل أهم مقتل للثورة وحراكها الرفضوي لما قبله ، هو إعادة موضعة المرأة في نفس القوالب المجتمعية و الثقافية والسياسية التي كانت عليها قبل الثورة ، وبالذات في كل الإجراءات المؤسساتية التي تقدم للعامة و يتعامل معها الخطاب على أنها نتاج ثوري ، هي أقرب ماتكون لإعادة موضعة للأنساق والمؤسسات المتحكمة في إنتاج معارفنا وفضاءاتنا السياسية ، كما في "برلمان مابعد الثورة" وهو الأقرب لما قبل الثورة، و ما انبثق منه من جمعيات تاسيسية كل ما ستفعله أن تعيد مأسسة النفي المجتمعي والثقافي و السياسي  والجسدي للأنثى دستورياً (مثال: التعامل مع فرض الحجاب وتقنينه، وقوانين الزواج للقاصرات، و القنوات الإباحية وغيرها).
أترانا نسمع "تودد" و"سميرة" و"بغي/مومس" أنكيدو"، وهنَّ يقلنَّ، بصريح البيان والمجاز: اقرأوا.
ونرد: "نحن نيام".
 وكلنا –ذكورًا وإناثًا- إنتهاك ونفي بلا دلالة تحررنا، مالم نتحرر قبلا بدلالتهنَّ.
 (في خاتمة السطور: تحية إجلال و إكبار واعتذار لسميرة إبراهيم وتودد وفتاة التحرير، وللأنثى في بلادنا أوطاناً و ضمائر، ولهن أقول: أنتن أول الوطن، وبودنكنَّ نحن مجرد انتهاك ثمل).
______________________________________________________

رابط المقال على صفحات عرب الـ48:
http://arabs48.com/?mod=articles&ID=90458